بروبيوتيك للأطفال: متى يفيد فعلًا
طفلك يتناول مضادًا حيويًا منذ بضعة أيام، وبدأ برازه يلين. تذهبين إلى الصيدلية أو تسألين صديقة، فيأتيك الجواب سريعًا: “أعطيه بروبيوتيك”. وقبلها بأسابيع ربما سمعتِ نفس النصيحة عن المغص أو الإمساك. فهل يحتاجه طفلك فعلًا؟
الجواب القصير: قد يفيد البروبيوتيك الأطفال في حالات محددة، لكن فائدته ليست واحدة لكل طفل ولا لكل مشكلة في الهضم، وتتوقف على السلالة والحالة والاستعمال. وفي حالات أخرى لا يوجد دليل مؤكد. سنمر على كل حالة ونبيّن ما يقوله الدليل، وما الذي تطلبينه من المنتج إن كانت هناك حاجة فعلية.
هذا المقال للمعرفة العامة، ولا يغني عن تقييم طبيب الأطفال، خصوصًا مع الرضّع الصغار أو الأطفال المرضى.
“بروبيوتيك” ليس منتجًا واحدًا
البروبيوتيك كائنات حية دقيقة، بكتيريا أو خميرة، تُعطى بكميات تكفي لأن تفيد الجسم. وعلى العبوة قد ترين “بكتيريا نافعة” أو “بروبيوتيك” وكأنها مادة واحدة. لكن الحقيقة أن لكل سلالة قصتها: ما ثبت لسلالة معينة لا ينتقل تلقائيًا إلى سلالة أخرى من النوع نفسه، حتى لو تشابه الاسم. وهذا ما تؤكده الجهات المتخصصة، وتقول إن التوصيات يجب أن تكون خاصة بكل سلالة.
لذلك فالسؤال العملي ليس “هل هذا بروبيوتيك؟” بل: أي سلالة؟ ولأي حالة؟ وبأي كمية؟ وللتوسع في أساسيات هذه المكملات، يمكنك الاطلاع على معلومات اكثر عن البروبيوتيك.
وقد تجدين على بعض المنتجات كلمة “بريبيوتيك”، وهي غذاء تتغذى عليه البكتيريا النافعة، أو “سينبيوتيك” وهو منتج يجمع الاثنين. هذه التسميات تصف تركيبة المنتج، ولا تعني بحد ذاتها فائدة أكبر.
متى توجد أدلة على الفائدة؟
الجدول التالي يلخص العلاقة بين الحالة والسلالة المدروسة وقوة التوصية، بحسب موقف الجمعية الأوروبية لأمراض الجهاز الهضمي والتغذية عند الأطفال (ESPGHAN) ومراجعات Cochrane:
الحالة | السلالات التي درست | قوة الدليل |
الوقاية من الإسهال المرتبط بالمضاد الحيوي | Lacticaseibacillus rhamnosus GG أو الخميرة Saccharomyces boulardii بجرعة عالية | متوسطة |
علاج الإسهال الحاد | أبرزها rhamnosus GG وS. boulardii | ضعيفة |
مغص الرضّع الذين يرضعون طبيعيًا | L. reuteri DSM 17938 أو B. lactis BB-12 | متوسطة بتوصية ضعيفة |
الإمساك | لا توصية بما درس حتى الآن | — |
والمهم أن كل سطر خاص بسلالة محددة. فمنتج يحمل اسم “Lactobacillus” وحده لا يعني أنه يطابق ما في الجدول.
البروبيوتيك مع المضاد الحيوي
المضاد الحيوي يقتل البكتيريا الضارة، لكنه قد يؤثر أيضًا في البكتيريا النافعة في الأمعاء، فيحدث إسهال عند بعض الأطفال. وهنا توجد أقوى الأدلة على الفائدة.
راجعت Cochrane 33 دراسة شملت 6352 طفلًا. ظهر الإسهال عند 8% من الأطفال الذين أخذوا البروبيوتيك مقابل 19% ممن لم يأخذوه، بدرجة يقين متوسطة. وكانت النتائج أوضح مع جرعات عالية، تبلغ 5 مليارات وحدة تشكيل مستعمرة (CFU) في اليوم فأكثر، ومع سلالات مثل Lactobacillus rhamnosus والخميرة S. boulardii. أما سلالات أخرى فالمراجعون يرون أن من المبكر الحكم عليها.
لكن هذا لا يعني أن كل طفل يتناول مضادًا حيويًا يحتاج بروبيوتيك. توصي ESPGHAN بإمكانية استعمال rhamnosus GG أو S. boulardii بجرعة عالية، بدءًا مع المضاد الحيوي، حين توجد عوامل خطر لدى الطفل. فالقرار يُناقش مع الطبيب أو الصيدلاني بحسب حالة الطفل ونوع المضاد. ولا تعتمدي هذه الجرعة على سلالة أخرى أو منتج آخر.
وإن ظهر إسهال شديد أو دموي أثناء المضاد الحيوي، فلا تنتظري أثر مكمل، وراجعي الطبيب.
الإسهال الحاد: السوائل أولًا
حين يصاب الطفل بإسهال حاد بسبب عدوى، فأهم ما يقيه من المضاعفات هو تعويض السوائل ومتابعة الجفاف، لا البروبيوتيك. توصي هيئة الصحة البريطانية بإعطاء سوائل كثيرة، ومواصلة الرضاعة من الثدي أو الزجاجة، وعدم تخفيف الحليب الصناعي، وعدم إعطاء دواء يوقف الإسهال لمن هم دون 12 سنة.
أما البروبيوتيك فالدليل عليه في هذه الحالة ضعيف وغير ثابت. راجعت Cochrane 82 دراسة، ولم تجد فرقًا واضحًا في نسبة من يستمر إسهالهم 48 ساعة أو أكثر، مع بقاء تأثيره في اختصار مدة الإسهال غير مؤكد. وتصف ESPGHAN توصية ضعيفة ببعض السلالات، مثل rhamnosus GG وS. boulardii، وتوصي بعدم استعمال بعض التركيبات تحديدًا.
والخلاصة العملية: لا يُعدّ البروبيوتيك علاجًا للإسهال ولا بديلًا عن السوائل. وتواصلي مع الطبيب فورًا إن كان الرضيع أصغر من 12 شهرًا وأنتِ قلقة، أو توقف عن الرضاعة، أو قلّت الحفاضات المبللة، أو لم يحتفظ بالسوائل، أو ظهر دم في البراز، أو طال الإسهال أكثر من 7 أيام.
المغص والإمساك والانتفاخ
مغص الرضّع: هنا توجد سلالتان بعينهما، L. reuteri DSM 17938 وB. lactis BB-12، ظهرت فائدتهما أساسًا عند الرضّع الذين يرضعون طبيعيًا. والتوصية ضعيفة، وليس معناها أن المغص سيختفي.
الإمساك: لا توصي ESPGHAN بالبروبيوتيك الذي درس حتى الآن، سواء وحده أو مع الملينات، والمعهد الأمريكي (NCCIH) يصف الأدلة عند الأطفال بأنها غير حاسمة. فلا تعتبري البروبيوتيك علاجًا للإمساك.
الغازات والانتفاخ العابر: ليست بين الحالات التي توصي بها التوصيات المتخصصة للبروبيوتيك، وكثيرًا ما تزول من تلقاء نفسها. وإن تكررت أو رافقها ألم شديد أو قيء أو فقدان وزن فاسألي الطبيب.
متى لا تكون هناك حاجة؟
للطفل السليم الذي يهضم جيدًا، لا توجد توصية بمكمل بروبيوتيك يومي. ولا يعني تغيّر البراز لمرة أو وجود غازات أن أمعاءه “غير متوازنة” وتحتاج إلى مكمل. وأي كلام عن أن البروبيوتيك “يقوي المناعة” أو “يعيد توازن الأمعاء” دائمًا هو كلام تسويقي، لا حقيقة مثبتة لكل المنتجات.
ولا يعني عدم إعطائه أنك قصّرتِ. في معظم الحالات يكفي أن يأكل طفلك طعامًا متنوعًا ويشرب كفايته.
هل هو آمن؟ ومتى تستشيرين الطبيب؟
عند الأطفال الأصحاء، بدا البروبيوتيك آمنًا عادة في الدراسات. ورصدت Cochrane آثارًا قليلة مثل الطفح والغثيان والغازات والانتفاخ والإمساك، دون أحداث خطيرة منسوبة إليه في التجارب. لكن المعهد الأمريكي ينبه إلى أن البيانات عن السلامة محدودة.
وهناك فئات تحتاج تقييمًا طبيًا قبل أي استعمال:
- الرضّع الخدّج: أُبلغ عن عدوى شديدة وحتى مميتة عند خدّج أعطوا بروبيوتيك، وحذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من ذلك عام 2023.
- الأطفال المصابون بمرض شديد أو ضعف في المناعة أو من لديهم قسطرة وريدية.
- من يعاني حالة طبية معقدة أو يتناول علاجات تؤثر في المناعة.
كما أن المنتجات التي تُباع مكملات غذائية لا تخضع دائمًا لتدقيق مسبق، وأُبلغ عن منتجات تحتوي كائنات غير مكتوبة على العبوة. لذلك يُفضَّل أن يكون المنتج من مصدر موثوق وأن يحمل اسم السلالة.
كيف تقرئين المنتج إذا كانت هناك حاجة فعلية؟
بعد أن يقرر الطبيب أو الصيدلاني أن طفلك قد يستفيد، لا تحكمي على المنتج من عدد مليارات البكتيريا وحده. فرقم CFU لا يكفي، إذ تختلف الكمية الفعالة باختلاف السلالة والحالة. اسألي عن هذه النقاط:
- اسم السلالة كاملًا: النوع والسلالة معًا، مثل rhamnosus GG أو L. reuteri DSM 17938، لا الجنس وحده.
- السلالة تطابق الحالة التي دُرست لها؟ فالسلالة المدروسة لحالة أخرى لا تثبت فائدة هنا.
- الكمية بوحدة CFU وعدد الجرعات: كما كتبها المصنّع، ولا تقارنيها بمنتج آخر.
- العمر المناسب وشكل المنتج: قطرات أو أكياس أو أقراص مضغ بحسب عمر الطفل.
- التخزين: بعض المنتجات تحتاج حفظًا بارد، فاتبعي العبوة.
- المكونات الإضافية: كفيتامينات أو أعشاب، حتى لا تتكرر مع مكمل يتناوله الطفل.
ومثال على ذلك قطرات ColiFlor للرضع والأطفال، فمكوناتها المعلنة Lactobacillus reuteri وLactobacillus acidophilus مع البابونج وفيتامين د3 والزنك. هنا الاسم على مستوى النوع، أما أبحاث المغص فارتبطت بسلالة محددة، لذلك اسألي الصيدلاني عن السلالة قبل أن تفترضي أن المنتج يطابق الدليل، وانتبهي إلى فيتامين د3 فيه إن كان طفلك يتناول قطرات فيتامين د. راجعي تفاصيل المنتج وعمر الاستعمال على العبوة، واستشيري الطبيب خصوصًا مع الرضّع الصغار.
ولا يعني وجود المنتج في المتجر أنه موصى به طبيًا؛ هو خيار تقرأين تفاصيله ثم تسألين عنه. وللاطلاع على الخيارات الأخرى يمكنك زيارة مكملات صحة الجهاز الهضمي ومقارنة المكونات والأعمار.
أسئلة سريعة
هل يضمن البروبيوتيك ألا يصاب الطفل بالإسهال بعد المضاد الحيوي؟ لا. خفض الإسهال في الدراسات من 19% إلى 8% تقريبًا، أي أن بعض الأطفال يصابون به رغم البروبيوتيك. وفائدته مرتبطة بسلالات وجرعات معينة.
هل يُعطى البروبيوتيك في الوقت نفسه مع المضاد الحيوي؟ توصي ESPGHAN بالبدء مع المضاد في الحالات التي يُنظر فيها إلى الوقاية. أما التوقيت الدقيق ووجود فاصل بين الدواءين فاسألي عنه الصيدلاني بحسب منتجك.
كم مدة استعماله؟ تتوقف على سبب الاستعمال والسلالة. فالدراسات استعملت فترات محددة، مثل 5 إلى 7 أيام للإسهال الحاد و21 يومًا فأكثر للمغص، وكل منها لسلالة بعينها، فلا تُعمَّم على غيرها. اسألي المختص عن مدة منتجك.
هل أخلطه بالحليب الساخن؟ اتبعي تعليمات المصنّع، فبعض المنتجات تحدد درجة حرارة لا يُتجاوز عندها عند خلطها بالسوائل.
هل الزبادي كافٍ بدل المكمل؟ الأغذية المخمّرة جزء من تغذية متنوعة، لكن لا يمكن افتراض أنها تعادل سلالة وجرعة مدروستين لحالة معينة.
الخلاصة
للبروبيوتيك دور محدود الوضوح عند الأطفال: أقوى دليل في الوقاية من إسهال المضادات الحيوية بسلالات وجرعات معينة، وفي مغص الرضّع الذين يرضعون طبيعيًا بسلالتين بعينهما، وأضعفه في الإسهال الحاد، ولا توصية له في الإمساك. فلا تشتري “بروبيوتيك” عامًا، بل اسألي أولًا: لأي حالة؟ وأي سلالة؟ وهل طفلي من الفئات التي تحتاج تقييمًا طبيًا؟ وفي أي إسهال عند الصغار، السوائل والمتابعة الطبية أولًا.
المصادر
- Probiotics for preventing antibiotic-associated diarrhea in children – مراجعة Cochrane 2019
- Probiotics for treating acute infectious diarrhoea – مراجعة Cochrane
- Probiotics for the management of pediatric gastrointestinal disorders – ملخص موقف ESPGHAN 2023 في مراجعة منشورة
- Probiotics: Usefulness and Safety – المركز الوطني الأمريكي للصحة التكميلية والتكاملية (NCCIH)
- Diarrhoea and vomiting – الخدمة الصحية البريطانية (NHS)











الأجهزة الطبية




